الجصاص

163

أحكام القرآن

والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض ، وذلك لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة ولم يجز معطيه إياها وإن كان غارما ، فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مقدار مائتي درهم أو ما يساويها ، فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه . وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا فإن الصدقة تحل له ، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه . وزعم الشافعي أن من تحمل حمالة عشرة آلاف درهم وله مائة ألف درهم أن الصدقة تحل له ، وإن كان عليه دين من غير الحمالة لم تحل له واحتج فيه بحديث قبيصة ابن المخارق أنه تحمل حمالة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيها فقال : " إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة : رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش ، ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إن فلانا أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش ثم يمسك ، وما سوى ذلك فهو سحت " . ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء ، لأن الحمالة هي الكفالة والحميل هو الكفيل ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه من دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة لسائر الديون ، فلا فرق بين شيء منها ، فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم يقدر على أدائها ، وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في سائر الديون . وروى إسرائيل عن جابر بن أبي جعفر في قوله تعالى : ( والغارمين ) قال : " المستدين في غير سرف حق على الإمام يقضي عنه " . وقال سعيد في قوله : ( والغارمين ) قال : " ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ولا تبذير فجعل الله لهم فيها سهما " . وإنما ذكر هؤلاء في الدين أنه من غير سرف ولا إفساد لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في الفساد ، فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد ، ولا خلاف في جواز قضاء دين مثله ودفع الزكاة إليه . وإنما ذكر هؤلاء عدم الفساد والتبذير فيما استدان على وجه الكراهة لا على جهة الإيجاب ، وروى عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد في قوله : ( والغارمين ) قال : " الغارم من ذهب السيل بماله ، أو أصابه حريق فأذهب ماله ، أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق عليهم فيستدين " . قال أبو بكر : أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما ، لأن الغرم هو